أحمد ابراهيم الهواري
32
من تاريخ الطب الإسلامي
مصادر الطب الإسلامي لقد أسلفنا القول في أن الأمم القديمة جميعها كان لها نوع من الطب والعلاج ، وأن تاريخ ظهور الطب هو تاريخ ظهور النوع البشرى ، أعنى أن الأمراض والأوجاع المختلفة لازمت الإنسان الأول منذ بدء الخليقة وأن الآثار التاريخية التي اكتشفت عن الإنسان الأول تدل على وجود آثار بعض الأمراض لديه ، ومن الثابت أن الإنسان - مثل سائر الحيوان - كان يبحث بحكم الغريزة والفطرة والإيحاء الطبيعي عن علاج لتسكين آلامه وإبراء أمراضه . وقد كان لدى بعض الأمم القديمة كالصينيين وسكان ما بين النهرين ومصر وإيران والفينيقيين واليهود طب مدروس مدون ، وكان الطب يعتبر لديهم مهنة خاصة لها ناحيتان علمية وعملية ، غير أن اليونان ، من الأمم القديمة ، تعتبر الأمة التي بلغ الطب لديها شأوا عظيما من الرقى ، وكان له لديها شأن جليل . وكان بلوغ الطب هذه المنزلة الرفيعة لدى اليونان بفضل بقراط الذي يدعى بحق ( أبا الطب ) . لقد عاش بقراط في عصر من أزهى عصور الرق « * » العلمي في اليونان ، أعنى عصر بركليس الذهبي الذي ظهر فيه كثير من عظماء اليونان أمثال توسيديد ، وفدياس وسوفوكل وأوريبيد . ويعد بقراط بحق أعظم أطباء الأمم القديمة علما وعملا ، وقد بقي زهاء ألفي عام شخصية طيبة « * * » مسيطرة على عالم الطب في الدنيا كلها ، وقد كانت أقواله وآراؤه المرجع الوحيد في هذا الباب وعليها المعول طوال هذه الحقبة حتى النهضة الأوروبية . وإن الشطر الأكبر من المعارف التي رتبها ونظمها بقراط عن الطب ، مأخوذ ومقتبس من سائر الأمم أو اليونانيين السابقين عليه في الزمان ، غير أن له فضل دراسة كل هذه المعارف ونقدها والوصول عن طريق النقد والبحث العلمي إلى معارف ومعلومات جديدة . وقد كانت هذه هي الطريقة التي جرى عليها كثير من مواطنيه أمثال أفلاطون وأرسطو كل في بابه - فقد اقتبسوا من معارف الأمم التي سبقتهم أو التي عاصرتهم ، واستفادوا منها ،
--> ( * ) هكذا في الأصل ، والصواب ، « الرقى » انسجاما مع السياق . ( * * ) هكذا في الأصل ، والصواب ، « طبية » انسجاما مع السياق .